Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

على طريق التفسير البياني

الإصدار الجديد للدكتور الفاضل فاضل صالح السامرائي

 

وهو كتاب مؤلف من جزئين صدرا في سنتين متتابعتين

ونحب أن نذكر بأن في مكتبة القرآن الكريم كتبا أخرى في ميدان التفسير البياني وبعضها حمل الاسم الواضح كمؤلفات الدكتورة عائشة عبدالرحمن (بنت الشاطئ)، ولكن أستاذنا الجليل وكعهدنا به في تواضعه لم يشأ أن يحمل الكتاب اسم التفسير البياني، بل رأى إنه إنما يسير خطوة في هذا الطريق القليل الطروق، ونتمنى أن تكون كلمته عونا لغيره على سلوك السبيل وتمهيده بخطوات أخرى وأخرى بثقة وجد وإخلاص نية والله الموفق لما فيه الخير

 

 

 يفسر الدكتور فاضل السامرائي بعض سور القرآن الكريم تفسيرا بيانيا دقيقا، وقد اختار أن يبدأ بتفسير المعوذتين الفلق والناس، ثم سور الإخلاص والكوثر وقريش والضحى والليل والإنسان والصف والحديد. أما الجزء الثاني فيحمل تفسير سورتي يس ولقمان.

 

وإليكم غلاف الجزء الأول مع المقدمة الجليلة التي حملها الكتاب والتي تهدي كل من يريد أن يشد العزم ويبدأ الخطو في هذا الطريق القرآني.

 

 

 

(آيات النور) مقتطفات أخرى من الكتاب

 

مقدمات في التفسير البياني

 

يعرَّف التفسير بأنه "علم يُعرَف به فهم كتاب الله المنزل على نبيه محمد ص وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكَمه"[1]

وأما التفسير البياني فهو التفسير الذي  يبين أسرار التركيب في التعبير القرآني، فهو جزء من التفسير العام تنصبّ فيه العنايةُ على بيان أسرار التعبير من الناحية الفنية كالتقديم والتأخير، والذكر والحذف، واختيار لفظة على أخرى وما إلى ذلك مما يتعلق بأحوال التعبير.

 

 

ما يحتاج إليه المتصدي للتفسير البياني

 

إن الذي يتصدى للتفسير البياني يحتاج ما يحتاج إليه المتصدي للتفسير العام إلا أن به حاجة أكثر إلى الأمور الآتية:

1ـ التبحر في علم اللغة.

2ـ التبحر في علم التصريف.

3ـ التبحر في علم النحو.

4ـ التبحر في علوم البلاغة.

وبعبارة موجزة (التبحر في علوم اللغة العربية). فلا تغني المعرفة اليسيرة بل ينبغي للمفسر البياني أن يكون على اطلاع واسع في علوم اللغة. جاء في (البرهان): "وليس لغير العالم بحقائق اللغة ومفهوماتها تفسير شيء من الكتاب العزيز، ولا يكفي في حقه تعلم اليسير منها، فقد يكون اللفظ مشتركا وهو يعلم أحد المعنيين".[2]

وجاء في (الإتقان) أن المفسر يحتاج إلى التبحر في لسان العرب[3].

وجاء فيه أيضا أن المفسر يحتاج إلى اللغة والنحو والتصريف لأن به تعريف الأبنية والصيغ والاشتقاق والمعاني والبيان والبديع [4].

وجاء في (البرهان): "النظر في التفسير هو بحسب إفراد الألفاظ وتراكيبها، أما بحسب الإفراد فمن وجوه ثلاثة:

من جهة المعاني التي وضعت الألفاظ والبديع .حو والتصريف لأن به تعريف الأبنية والصيكفي في حقه تعلم اليسير مننها:

 بأحوال التعبير.

ن أس المفردة بإزائها وهو يتعلق بعلم اللغة، ومن جهة الهيئات والصيغ الواردة على المفردات الدالة على المعاني المختلفة، وهو من علم التصريف.

ومن جهة رد الفروع المأخوذة من الأصول إليها، وهو من علم الاشتقاق.

 

وأما بحسب التركيب فمن وجوه أربعة

الأول: باعتبار كيفية التراكيب بحسب الإعراب ومقابله من حيث إنها مؤدية أصل المعنى، وهو ما دل عليه المركب بحسب الوضع وذلك متعلق بعلم النحو.

الثاني: باعتبار كيفية التركيب من جهة إفادته معنى المعنى، أعني لازم أصل المعنى الذي يختلف باختلاف مقتضى الحال في تراكيب البلغاء وهو الذي يتكفل بإبراز محاسنه علمُ المعاني.

الثالث: باعتبار طرق تأدية المقصود بحسب وضوح الدلالة وحقائقها ومراتبها، وباعتبار الحقيقة والمجاز والاستعارة والكناية والتشبيه، وهو ما يتعلق بعلم البيان.

والرابع: باعتبار الفصاحة اللفظية والمعنوية والاستحسان ومقابله وهو ما يتعلق بعلم البديع"[5]

فالمعرفة الواسعة والتبحر في علوم اللغة من ألزم الأمور للمفسر، وهي للمفسر البياني ألزم، فينبغي له أن يعرف المجرد والمزيد وأغراض الزيادة واختلاف الصيغ ومدلولاتها، وأن يكون له باع طويل في معرفة الاشتقاق وأحوال المشتقات.

 

وأما النحو فهو أوضح من أن تبين أهميته في هذا الشأن فإن تغيير الحركة قد يؤدي إلى الكفر والعياذ بالله، فلو غيرت الحركات في قوله تعالى: إنما يخشى

من فتحة إلى ضمة، ومن ضمة إلى فتحة فقرأتها (إنما يخشى اللهُ من عباده العلماءَ) لفسد المعنى وأصبح كفرا. ولو غيرت العبارة (خلق الل÷ُ الناسَ) إلى (خلقَ اللهَ الناسُ) لكانت كفرا وكان ذلك أكبر من الشرك الأكبر.

وإذا كان لا يعلم الفرق في المعنى بين الحروف والأدوات فقد يؤدي ذلك في أحيان كثيرة إلى الإحالة في المعنى وربما إلى الكفر. وأظن أنه لا يخفى عليك قولُ ابن عباس وغيره في قوله تعالى: "وإذ أخذ ربك من بني آدم  أنهم لو قالوا (نعم) لكفروا.[6]

وأنه لو قال بدل قوله تعالى فويل للمصلين

فقال (في صلاتهم ساهون) لم ينج أحد من الويل ...

ولا تكفي المعرفة اليسيرة في هذا الأمر كما قرره علماء التفسير بل على المتصدي لهذا الأمر أن يكون عالما بدقائق اللغة وما تؤديه التقديرات المختلفة إلى اختلاف في المعاني.

وكذلك بالنسبة إلى علوم البلاغة فإن ذلك من ألزم الأمور لمعرفة الفصاحة والأغراض التي يخرج إليها الكلام والفصل والوصل وأغراض التقديم والتأخير والحقيقة من المجاز وما إلى ذلك من أمور تتعلق بعلم البلاغة.

فلا يجوز لمن ليس له علم واسع بكل ذلك أن يمسك قلمه ليفسر كلام الله.

 

5ـ القراءات: فبالقراءات يترجح بعض الوجوه على بعض[7] . وقد تكون القراءتان أو القراءات مماي دل على كمال البلاغة تمامها، فمن ذلك على سبيل المثال قراءة (مالك يوم الدين) وقراءة (ملك يوم الدين) فقد جمع له بالقراءتين الحكم والتملك، ذلك أن (مالك) من التملك، و(الملك) هو الحاكم الأعلى، فجمعع لنفسه تعالىكمال الأمرين، ولا يمكن ظان يكون ذلك بقراءة واحدة، فنزلت مرتين، مرة (مالك يوم الدين)،  ومرة (ملك يوم الدين) فجمعت المعنيين. وهو نظير قوله تعالى: (مالك الملك) فالمالك من التملك، وصاحب المُلك بضم الميم هو الملِك، فجمع له بين الأمرين. ولو قال (مالك المِلك) بكسر الميم لم يزد على معنى التملك، ولو قال (ملك المُلك) بضم ميم الملك لم يزد على معنى الحكم، ولكنه قال (مالك الملك) فجمع له الأمرين سبحانه.

 

ومن ذلك قراءة (فأرسله معي ردءا يصدّقُني) و (يصدّقْني) بضم القاف وسكونها فإن القراءتين جمعتا معاني الشرط والوصفية والاستئناف. فإنه برفع الفعل يكون المعنى (فأرسله معي ردءا مصدقا لي) فتكون جملة (يصدقني) نعتا، أو يكون المعنى (فأرسله معي ردءا إنه يصدقني) فتكون الجملة استئنافية. وبالجزم يكون المعنى: إ ترسله يصدقني، فجمعت لقراءتان هذه المعاني كلها.

 

ومن ذلك قوله تعالى: " إن في ذلك لآيات للعالمين" الروم 22، فقرئت (للعالِمين) بكسر اللام، جمع (عالِم) من العلم، وقرئت أيضا بفتحها جمع (عالَم) بفتح اللام فجمعت المعنيين؛ ونحو ذلك ليس بالقليل.

 

والقراءات المتعددة قد تكون أدل شيء على الإعجاز ذلك أنه تحداهم بالقرآن فعجزوا ثم جاء بقراءة أخرى فعجزوا، ثم جاء بقراءة أخرى فعجزوا مما يدل على كمال القدرة لله وعجز البشر أمامها على كل حال. ونظير ذلك من مخلوقاته تعالى أن الله سبحانه تحداهم بخلق الذبابة فعجزوا وهم عن آياته الأخرى مثلها في العجز أو أعجز، فإنهم لا يقدرون على خلق البعضوة ولا ما فوقها ولا ما دونها كما قال تعالى: "هذا خلق   فذلك أدل على كمال قدرة الله وعجز البشر.

 

ومثال ذلك ولله المثل الأعلى أنه لو رسم فنان لوحة بالغة الجمال والدقة، وتحدى بها أهل الصنعة، فجعل أهل الصنعة يتأملونها ويعجبون ويقولون : إن هذه اللوحة لو غير أي شيء فيها لفسدت ولأمكننا أن نصنع مثلها، فيغير فيها شيئا فينظرون إليها فيزدادون عجبا ويقولون إن هذا التغيير لم ينل منها بل زادها حسنا فما أعجب هذا الأمر! ثم يقولون: إنها لا تحتمل تغييرا آخر فيها ألبتة ولو غيرت لفسدت قطعا. فيغير فيها شيئا آخر فينظرون إليها فيقولون: ما أعجب هذا فإنها لم تزد إلا حسنا وجمالا! وهكذا، كان ذلك أدل على عظيم قدرة الفنان وإن ذلك لم يأت منه موافقة بل إنه يقدر أن يفعل ما يعجز عنه الآخرون متى أراد. وقد أشار الأقدمون إلى هذين الأمرين.

 

جاء في (النشر): "وأما فائدة اختلاف القراءات وتنوعها فإن في ذلك فوائد غير ما قدمنا من سبب التهوين والتسهيل والتخفيف على الأمة. ومنها ما في ذلك من نهاية البلاغة وكمال الإعجاز وغاية الاختصار، وجمال الإيجاز إذ كل قراءة بمنزلة الآية إذ كان تنوع اللفظ بكلمة تقوم مقام آيات ولو جعلت دلالة كل لفظ آية على حدتها لم يخف ما كان في ذلك من التطويل.

 

ومنها ما في ذلك من عظيم البرهان وواضح الدلالة إذ هو مع كثرة هذا الاختلاف وتنوعه لم يتطرق إليه تضاد ولا تناقض ولا تخالف، بل كله يصدق بعضه بعضا،ويبين بعضه بعضا، ويشهد بعضه لبعض على نمط واحد وأسلوب واحد. وما ذاك إلا آية بالغة وبرهان قاطع على صدق ما جاء به صلى الله عليه وسلم."[8]

 

6ـ أسباب النزول: وهو من الدلائل المهمة على فهم المعنى فبه تعرف كثير من الأمور التي قد يصعب فهمها لولاه. جاء في (البرهان) في معرفة النزول: "وهو من أعظم المعين على فهم المعنى..، وكان الصحابة والسلف يعتمدونه. وكان عروة بن الزبير قد فهم من قوله تعال: "فلا جناح يطوف أن السعي ليس بركن، فردت عليه عائشة ذلك وقالت: لو كان كما قلت لقال (فلا جناح عليه ألا يطوف بهما). وثبت أنه إنما أت بهذا لصيغة لأنه كان وقع فزع في قلوب طائفة من الناس كانوا يطوفون قبل ذلك بين الصفا والمروة للأصنام، فلما جاء الإسلام كرهوا الفعل الذي كانوا يشركون به، فرفع الله ذلك الجناح من قلوبهم وأمرهم بالطواف. رواه البخاري في صحيحه. فثبت أنها نزلت ردا على من كان يمتنع من السعي"[9]

 

ومن ذلك قوله تعالى: " وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (النور:33)

 وقد يظن ظان أن النهي عن البغاء مشروط بإرادة التحصن فإن لم يردن التحصن جاز، وهذا لا يكون، وبالاطلاع على سبب النزول يتضح المعنى، فإن "هذا الشرط باعتبار ما كانوا عليه فإنهم كانوا يكرهونهن وهن يردن التعفف"[10]

وقيل إن سبب نزول هذه الآية أن عبدالله بن أبي كان يقول لجارية له اذهبي فابغينا شيئا، فأنزل الله "فتياتكم

 

وقيل أيضا أن جارية لعبدالله بن أبي يقال لها مسيكة وأخرى يقال لها أميمة فكان يكرهها على الزنى فشكتا ذلك إلى النبي ص فأنزل الله فتياتكم

 

7ـ النظر في السياق: فإن ذلك من ألزم الأمور للمفسر عموما، وللمفسر البياني على الخصوص. فبالسياق تتضح كثير من الأمور ويتضح سبب اختيار لفظة  على أخرى، وتعبير على آخر، ويتضح سبب التقديم والتأخير والذكر والحذف ومعاني الألفاظ المشتركة.

والسياق من أهم القرائن التي تدل على المعنى، جاء في (البرهان) أن دلالة السياق "ترشد إلى تبيين المجمل والقطع بعدم احتمال غير المراد، وتخصيص العام وتقييد المطلق وتنوع الدلاة، وهو من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم. فمن أهمله غلط في نظيره وغالط في مناظراته، وانظر إلى قوله تعالى: "ذق إنك    كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير"[11]

   وعدم النظر في السياق قد يوقع في الغلط أو عدم الدقة في الحكم، وذلك نحو قول الأخفش في زيادة (من) الجارة فإنه لم يشترط لزيادتها تنكير المجرور ولا سبقه بنفي أو شبهة، واستدل على رأيه بقوله تعالى: "يغفِرْ لكم من ذُنوبِكم"، وهذا الاستدلال باطل فإنه ينبغي أن ينظر في السياق فإن قسما من الأعمال يدعو إلى مغفرة بعض الذنوب، وبعضها يدعو إلى مغفرة الذنوب كلها. هذا علاوة علىأنه لم يرد "يغفِر لكم ذُنوبكم" من دون (من) إلا للأمة المحمدية دون غيرها من الأمم إكراما لها، فلا تكون (من) زائدة.

 

8 ـ مراجعة المواطن القرآنية التي ورد فيها أمثال التعبير الذي يراد تبيينه ليستخلص المعنى المقصود.

 

9 ـ مراجعة المواطن القرآنية التي وردت فيها المفردة التي يراد تفسيرها واستعمالاتها ومعانيها ودلالاتها.

 

10 ـ أن يعلم أن هناك خصوصيات في الاستعمال القرآني كاستعمال الريح للشر، والرياح للخير، والغيث للخير والمطر للشر، والعيون لعيون الماء،والصوم للصمت والصيام للعبادة المعروفة وغير ذلك.

 

11 ـ أن ينظر في الوقف والابتداء وأثر ذلك في الدلالة والتوسع في المعنى أو التقييد فيه وما إلى ذلك.

 

12 ـ أن يسترعي نظره أي تغيير في المفردة والعبارة ولو كان فيما يبدو له غير ذي بال فإنه ذو بال، فإن وجد له تعليلا فذاك وإلا فسيأتي من ييسر الله له تعليله وتفسيره كالإبدال في المفردة نحو (يطّهّر) و(يتطهّر) و(يذّكر) و(يتذكر)،والذكر والحذف نحو (تذكرون) و (تتذكرون) و(يستطيع) و(يسطع) و(لاتتفرقوا) و(لاتفرّقوا)، وتغيير الصيغة نحو مغفرة وغفران، وعداوة وعدوان، ونخل ونخيل، والإدغام والفك نحو: (من يرتد) و(من يرتدد) و(يشاق) و(يشاقق) وما إلى ذلك. وكذلك الأمر بالنسبة إلى العبارة

 

13ـ إدامة التأمل والتدبر وهما من أهم ما يفتح على الإنسان من أسرار، ويهديه إلى معان جديدة. جاء في (البرهان): "أصل الوقوف على معاني القرآن التدبر والتفكر"[12]

 ولذلك أمر الله سبحانه بالتدبر في كتابه، قال تعالى: "أفلا يتدبرون  ، وقال: "كتاب مبارك آياته

 وكلما أمعنتَ في التدبر فتح الله عليك من كنوز المعرفة وعجائب الأسرار ما لم يكن منك على بال.

والتدبر ولتفكر في كتاب الله وأسرار تعبيره من ألزم الأمور للقارئ والمفسر، وهما للمفسر ألزم.

فأدم التدبر والتفكر فيما استعصى أمر ولا تمل من ذلك، وافعل ذلك مرة ومرتين وثلاثا وأربعا وعشرا وعاود ذلك فإنه سيفتح الله عليك ويبصرك ما لم تكن تبصره.

وقد مرت بي مسائل لم أهتد إلى حلها على كثرة التدبر والتأمل حتى كدت أيأس من وصولي إلى حل لها فإذا بي وقد انقدح في ذهني ما يزيل الإشكال ويثلج الفؤاد

 

14ـ أن يكون قد اطلع على جملة صالحة مما كتبه من تقدمه من مشاهير المفسرين، ونظر في كتب علوم القرآن، وكتب الإعجاز، وكتب المتشابه وتناسب الآيات والسور وما إلى ذلك مما كتب في أسرار التعبير القرآني فإن فيها أسرار بيانية وفنية بالغة الرفعة.

 

15 ـ وأساس ذلك كله الموهبة، فإن الموهبة أساس كل علم وفن وصنعة فبقدر ما أوتي الفرد من موهبة يكون شأنه في العلم والفن، على ألا يعتمد على الموهبة وحدها بل عليه أن ينميها ويصقلها بكثرة الاطلاع والنظر والتدقيق والتأمل.

ولا نريد أن نطيل الكلام في هذا الأمر فإن له مظانه.

من ص7 إلى ص14

 

 

التشابه والاختلاف في التعبير القرآني

 

أثير سؤال في أكثر من مناسبة وأنا ألقي دروسا في التعبير القرآني على طلبة الدراسات العليا وفي مناسبات أخرى وهو أننا نجد أحيانا في القصة الواحدة أو المسألة الواحدة التي يذكرها القرآن في أكثر من موضع اختلافا في ذكر المواقف والعبارات، أفلا يعد ذلك تناقضا؟ فإذا كان أحد الموطنين صحيحا فلا شك أن الآخر غير صحيح، فكيف نعلل ذلك؟

 

وما كنت أظن أن هذا الأمر سيكون شبهة تحتاج إلى إيضاح، ولكنه ظهر لي أنه شبهة تنبغي معالجتها، ولا يحسن أن تبقى في النفس من غير أن يجد لها صاحبها جوابا شافيا يطمئن له قلبه.

فأقول: ليس في القرآن قصة ذكرت في أكثر من موطن تناقض إحداها الأخرى، ولا مسألة تردد ذكرها اختلفت في فحواها وحقيقتها عنها في موطن آخر مهما اختلفا في التعبير أو في ذكر ما وقع فيهما.

فإن قصة موسى مثلا على كثرة ترددها واختلافها في التعبير وفي ذكر جزئياتها لا يختلف بعضها عن بعض، ولا يناقض يعضها بعضا، وكذلك قصة إبراهيم أو قصة صالح أو قصة آدم أو غيرها.

وكذلك كل مسألة تكرر ذكرها.

   ولكن قد يذكر جانب من القصة في موطن بحسب السياق الذي ترد فيه والغرض الذي يراد منها، ويذكر جانب آخر في موطن آخر بحسب ما يراد من الغرض وموطن العبرة، وقد أرت إلى شيء من ذلك في كتاب التعبير القرآني، والآن أريد أن أوضح هذا الأمر بأمثلة أوردها لذلك.

 

فقد ورد في قصة موسى في سورة البقرة مثلا قوله تعالى: "وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ" (البقرة:60)

وورد في سورة الأعراف قوله تعالى: "وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ" (الأعراف:160)

 

 

فإنه قال في سورة البقرة (فانفجرت) وقال في سورة الأعراف (فانبجست)  والانفجار غير الانبجاس، فإن الانفجار هو لانفجار بالماء الكثير، والانبجاس هو الماء القليل، فأي الأمرين صحيح؟ أكان ثمة انفجار أم انبجاس؟

 

والجواب: كلاهما صحيح، فإنه على ما يذكر أنه أول ما انفجر الماء انفجر بالماء الغزير، ثم قل بعد ذلك بسبب عصيانهم، فأخذ ينبجس، فذكر حالة في سياق التكريم وحالة أخرى في سياق الذم، وكلاهما واقع، وكلاهما صحيح إلا أنه اختار كل تعبير بحسب السياق الذي ورد فيه، وهو ما تقتضيه البلاغة.

 

ثم إنه من المشاهد كثيرا أن العيون والآبار لا تبقى على حالة واحدة فقد يظهر الماء بادئ ذي بدء كثيرا ثم يقل بمرور الزمن، وقد يكون العكس، فلا غرابة أن يذكر كل حالة في مكانها اللائق بها، فإن كلا الأمرين واقع وكلاهما صحيح.

 

ومثل ذلك ما ورد في قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام حين جاءته الملائكة فقد قال في سورة الذاريات: "هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ 24 إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ 25 فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ 26"الذاريات ، وقال في سورة الحجر: "وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ 51 إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاماً قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ 52" الحجر،

فذكر في سورة الذاريات أنهم حيوه فرد عليهم التحية: فقالوا سلاما قال سلام، وذكر في سورة الحجر أنهم حيوه ولكنه لم يذكر أنه رد التحية: دخلوا

وذكر في سورة الذاريات أنه جاءهم بعجل سمين ولم يذكر ذلك في سورة الحجر، فما حقيقة الأمر؟ أهو رد التحية أم لم يردها؟ وهل جاءهم بعجل؟ ولم لم يذكر ذلك إذن في الحجر؟

والجواب أن كل تفصيل ذكره القرآن إنما هو قد حصل، وربما حصل غيره مما لم يذكره القرآن لأنه لا داعي لذكره، ولكنه ذكر في كل موطن ما يقتضيه السياق والغرض من ذكر القصة.

وقد تقول: ولكنه قال في الذاريات أنه رد عليهم السلام، ولفي الحجر لم يرد السلام. فنقول ليس الأمر كما توهمت فإنه لم يقل في الحجر إنهم حيوه فلام يرد عليهم السلام ولو قال ذلك لكان تناقضا.

وإنما قال (فقالوا سلاما) فذكر تحيتهم ولم يذكر تحيته كما لم يذكر أنه جاء لهم بالعجل ولم يقل إنه لم يقدم لهم شيئا، فطوى ذكر قسم من الأحداث بحسب المقام، وذلك أنه لما وصف الضيف في الذاريات بأنهم مكرمون ناسب ذكر ما أكرمهم به إبراهيم من رد التحية بخير منها ومن تقديم العجل المشوي.

ولما لم يصفه في الحجر بذلك طوى ذكر مظاهر التكريم والاحتفاء، وهذا نظير مات  نرويه نحن من أحداث، فقد تقع لنا أحداث متعددة في رحلة، نذكر في كل مناسبة طرفا منها، بل ربما نرويها بألفاظ مختلفة لكنها غير متناقضة بحسب الموقف والمقام.

 

 


 

[1] ـ البرهان 1/13

[2] البرهان 2/165

[3] ـ الإتقان 2/182

[4] الإتقان 2/180 ـ 181

[5] البرهان 2/173ـ174

[6] مغني اللبيب 1/113

[7] الإتقان 2/181، البحر المحيط 1/7

[8] النشر 1/52

[9] البرهان 2/202

[10] فتح القدير 4/28

[11] ـ البرهان 2/200ـ201

[12] ـ البرهان 2/180

 

 

Fast Cash Advance Loan

الصفحة الرئيسية